|
يسعى الفنان "محمود الرضوان" إلى تسخير جل اهتمامه
لتسجيل الأنماط المعمارية في الكويت القديمة، فقد سلك هذا الاتجاه باندفاع
شديد لاحتواء صورة هذه الأساليب في البناء قبل أن تعمل بها معاول الهدم
لتفسح الطريق أمام الكتل الخرسانية الصماء الخالية من كل تعبيرعاطفي أو حس
إنساني. وقد برزت مساحاته وكتله بتعبيرية مميزة أضفت على هذه الأشكال نبضا
حيا ينبعث من داخل هذه المنازل الطينية فيشعرك ذلك بحركة ساكنيها على رغم
سمك الجدران المعمارية القديمة التي زال بالفعل أغلبها. وهو هنا قد أكمل
الخط الذي شكله باقي التشكيليين الكويتيين والذي ينتهي غالبا عند الممارسات
المعيشية اليومية للإنسان الكويتي. حبه لأشكال وأنماط العمارة الكويتية شكل
بساطة مساحاته اللونية التي كونت أجزاؤها جدران وأبواب ودرايش (نوافذ) بيوت
الكويت القديمة تلك البيوت البسيطة البناء والتكوين، بينما حددت خطوط هذه
الخريطة الهندسية الفرجان والسكيك الترابية الضيقة.
قد يلاحظ المشاهد انزواء العنصرالبشري كمفردة مكملة تكسر حدة السكون في
لوحة "الرضوان"، لكن حقيقة الأمر تنفي هذه الملاحظة، فالإنسان جزء من هذه
الخريطة تحس بحركته خلف الجدران الطينية العالية، واذا ما تجولت بين
الفرجان والسكيك فإنك حتما ستلتقي بأحد ساكني هذه البيوت، أو تسمع بكاء طفل
يتسرب إلى مسامعك من بين شقوق باب من الأبواب، فهي بيوت حية شكلت كل لبنة
فيها بعاطفة مشوبة بحنين إلى الماضي، جدرانها تتحرك وتتنفس حتى تكاد تحس
لها نبضا.
هذه الكتل المعمارية وان كانت تحتفظ بإحساس الماضي ونكهته العاطفية، ورائحة
طين الأرض الذي شمكل جدرانها، إلا انها تظل مجرد كتل صماء وشكل من أشكال
ومفردات الماضي، ما لم تسجل بالفرشاة واللون على مساحات القماش بمهارة
وقدرة في التصرف تفوق الجهد العضلي ليد الرسام، أو قدرته البصرية في تتبع
الخطوط والمساحات.
لقد حاول "محمود الرضوان" قدر جهده أن يخرج افكاره من صورتها البصرية
للأشكال والكتل وأن يدفع بملكته العاطفية والابداعية نحو بعث الروح في هذه
البيوت الطينية والسكيك الضيقة، جاعلا منها جزءا مكملا لمحيطها الطبيعي
المتمثل بالأرض بلونها المحبب والسماء بزرقتها الصافية، والشمس وقت الهجير
بأشعتها الفضية، وهي تلقي بنفسها على مساحات الجدران المنتصبة لترسم خريطة
هذه المشاهد المعمارية في تكوين متجانس ومتآلف ضمن خصوصية لونية تبعت في
النفس الإحساس بالطمأنينة والراحة.
حركة الضوء والظل المنسدلة على جدران بيوته الطينية باسترخاء وتكاسل، بشكل
يوحي بتدافعها لاحتلال أكبر مساحة على ارضية العمل، تعد حلأ ناجحاً استخدمه
"الرضوان" كثيرا في أعماله ليؤكد القيمة التشكيلية التي تحفظ توازن عناصرها
ومفرداتها. كما ساعد ذلك إضفاء جو من الألفة الحميمية بين جوانب السكيك
والطرقات الترابية التي تدعوك بلطف إلى السيروالتجوال فيها. وجاءت مجموعة
أعماله (وطني الكويت)، التي رسمها في القاهرة أثناء فترة الاحتلال العراقي
للكويت، معبرة في فكرتها وطريقة صياغة سطوحها اللونية التي نسجت مساحاتها
من كلمتي "وطني الكويت"، فبدت عاطفته واضحة نحو هذه المفردات التي طالما
أحب التعامل معها. وهذا النسيج اللغوي المنسدل بحب على جدران ودروب الكويت
لم يخرج هذه المجموعة الخاصة بحب الكويت عن نمط الرؤية الخاصة به حول شكل
ومضمون العمارة الكويتية القديمة.
لقد شتكلت دراسات "محمود الرضوان" لهذا الجانب من تراثنا المعماري قيمة
فنية وتاريخية عمقت إحساسنا بأهمية هذه الأشكال والمفردات، وقد حاول جهده
في أن يبتعد عن جمود الرسم الهندسي المعتاد لتخرج لوحاته أكثرحيوية وعاطفة،
محتفظة يقيمتها التشكيلية كعمل فني متكامل ومتميز.
عن كتاب "التراث في الفن التشكيلي الكويتي" لـ حميد خزعل |