|
يحتفظ
"حسين مسيب" لنفسه بصيغة خاصة في تتبع المشهد التراثي،
وهذه الصيغة الخاصة غالبا ما اعتمدت على معايشة "المسيب"
للحدث وتفاعله معه عاطفيا وفكريا. وقاده هذا التفاعل
الإنساني المتبادل بينه وبين المحيط الذي يتحرك في دائرته
لتنفيذ أفكاره برؤية مزجت بين المشهد المرسوم والعلاقة
الحميمة التي نمت وترعرعت في داخله بينه وبين العديد من
أشكال العلاقات الإنسانية والمعمارية والاجتماعية، وما
تمثله من قيم محسوسة ومرئية في مجتمع استطاع المحافظة على
قيمه وتقاليده وأصالته على رغم كل الظروف والمتغيرات التي
مرت عليه طوال تاريخه العريق.
وبغض النظر عن طبيعة هذه العلاقة العاطفية المتبادلة بينه
ومكونات مشهده، فإننا نظل نتحرك في محيط خصوصيته في نقل
حركة الحدث من واقع علاقته البصرية والتاريخية مع المشهد
لمساحة اللوحة، يجمع هذا حس شفاف ورؤية متفردة في التعامل
مع مكونات عمله.
لقد حافظ هذا المسلك الإنساني "للمسيب" في إضفاء صبغة خاصة
على المشهد التشكيلي في مجمل أعماله، حتى وإن اختلفت طبيعة
المواضيع والافكار التي تناولها وهي كثيرة ومتعددة، فبين
المشهد العام الذي يسجل حركة الناس المعتادة وهم يمارسون
أسلوب حياتهم اليومي، كالبيع والشراء والمساومة، أو جلوسهم
في المقهى باسترخاء يتبادلون الأحاديث ويتناقشون في أمور
عامة ويعقدون الصفقات التجارية وهم يحتسون الشاي، إلى تتبع
البسطاء منهم كبائع الخام، بائع القماش، أوالعتال، أو بائع
الدندرمة، تنبجس أحاسيسه اللونية الدافئة ببريقها ولمعانها
الواضح الذي يضفي على كل شيء في مساحاته جوا من الراحة
والهدوء المطلق.
اهتم كثيرا بتصويرحركة الحياة اليومية لما يحيط به وما
يراه من ممارسات معيشية، ويتبع خطوات شخوصه أينما ذهبوا
محصيا حركاتهم بنوع من التودد الذي يتوافق وطبيعة شخصيته
الهادئة الشفافة، فالأسواق والسكيك، وساحل البحر، والساحات،
والفرجان، ومواقع العمل، جميعها أماكن تسعى إليها رجلاه
ويتردد عليها بصره الباحث عن مشهد
يتسع لكل الحركة التي يمكن أن تسجلها ذاكرته، أو زاوية
صغيرة لا تتسع سوى لمفردة واحدة تتمثل له من خلالها تعب
السنين، وكد الأيام المضني سعيا وراء لقمة العيش في (عتال)
يعمل في الميناء، أو (حمال) أجير يسرق له غفوة عابرة من
مساحة يومه
المتعبة، أو (عامل) أخذ منه التعب والإرهاق فتمدد تحت ظل
شجرة أنهكتها سنون الزمن. بيئته هي تلك اللمحات الإنسانية
التي تحيطه بضحكاتها وأنينها على مر أيام عمره، والتراث ما
هو إلا قيمة بصرية تحتضن الزمن الماضي.
عندما تمعن النظرفى بعض أعماله يساورك شعور بائه فى لحظة
ما أحس بالتعب من التجوال بحثا عن إحدى شخصياته من العامة
والبسطاء التي أرهقتها هموم السنين، وأثقل كاهلها البحث عن
لقمة العيش المغموسة بالعرق وذل الحاجة!
حتى روحه وعاطفته اللتان تريدان احتضان كل هذه المشاهد
تحسان بالتعب وترغبان فى الركون إلى الراحة، فتتحول مشاهده
إلى لمسات لونية من التودد لمن هم حوله، مسجلا اللمحات
الإنسانية اليومية كالفتيات وهن يلعبن لعبة (الحيلة) بسرور،
أو هذا الشاب على دراجته يحوم حول فتاة تسير في الشارع
يحاول التودد إليها بلطف بينما هي تواصل سيرها غير مبالية.
ثم ينعطف داخل البيت الكويتي ليسجل هذا الحديث الهامس بين
فتاة وأمها في جلسة أسرية يحيطها جو من الألفة والمودة،
مؤكدا على العلاقة الخاصة التي تربط البنات بأمهاتهن في
بيئتنا الاجتماعية التي تحكمها علاقات الأسرة الواحدة،
بينما في مشهد آخر يصيخ السمع ليلتقط حديث امرأتان لم تجدا
وسيلة لتضييع الوقت سوى النميمة واغتياب الآخرين!، وتأخذه
رحلته العاطفية ليتعرف إلى نماذج إنسانية عدة تشاركه
المعيشة في محيطه الإنساني، وتمثل نمط الحياة الاجتماعية
في الكويت في مراحل تاريخية عدة تتفاوت مسافات قربها أو
بعدها الزمني عن حاضرنا الحالي. |